اسماعيل بن محمد القونوي
231
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
أو لمنع الخلو فقط ولكونه كل واحد منهما كاف في بيان المصدقية اختار الفاصلة ( في القصص والمواعيد والدعاء إلى التوحيد ) فإن هذه الأمور غير قابلة للنسخ فعلى هذا معنى المصدق الموافق مجازا فإن المخالف للشيء كالمكذب له وقدم الوجه الأول لأنه أقرب إلى الحقيقة فإن معناه مظهر الصدق ويحتمل أن يكون حقيقة قوله ( والأمر بالعبادة ) أي بالعبادة مطلقا وأما خصوص العبادة فلا يجب فيه التطابق ( والعدل بين الناس و ) كذا ( النهي عن المعاصي والفواحش ) يراد به المطلق كالخمر فإنه منهي عنه في شرعنا مع أنه غير منهي عنه في شرع من قبلنا كما سيجيء الإشارة إلى ذلك . قوله : ( وفيما يخالفها ) عطف على القصص أي مطابق لها للكتب السماوية حقيقة وإن كان يرى مخالفا لها ظاهرا ( من جزئيات الأحكام ) بيان لما فيما يخالفها كحل شرب الخمر وحرمته وفرضية ربع المال للزكاة في التورية وفرضية ربع عشر المال علينا وقطع موضع النجاسة وطهارته بالغسل ونحوه وخمسين صلاة في اليوم والليلة وخمس صلوات فيهما وغير ذلك من الشرائع المختلفة المشار إليها في قوله تعالى : لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً [ المائدة : 48 ] الآية ( قوله بسبب تفاوت الاعصار في المصالح ) فإن هذه الأمور قابلة للنسخ فتتفاوت بسبب تفاوت الاعصار في المصالح قوله بسبب متعلق بيخالفها . قوله : ( من حيث ) متعلق بمطابق المقدر فيما يخالفها بمعونة العطف وإشارة إلى حكمة النسخ والمعنى أن القرآن مطابق للتورية وسائر الكتب الإلهية في حقية جزئيات الأحكام المتخالفة المضاف إلى زمانها مراعى فيها صلاحها وصلاح من خوطب بها فكما أن أحكامها النازلة عليهم حق بالنسبة إلى أزمنتها كذلك جزئيات الأحكام المنزلة علينا في القرآن حق بالنسبة إلى زمانها وإن كان بينهما مخالفة بالحل والحرمة ونحوها فعلى هذا معنى المصدق موافقة حقية الأحكام النازلة في القرآن لحقية الأحكام الناطقة الكتب الإلهية بها فإن المخالف لها مكذب والمصدقية كما تستعمل في الموافقة الذاتية كذلك تستعمل في الموافقة الوصفية بل الموافقة الوصفية معتبرة في الموافقة الذاتية ألا يرى أن الموافقة الذاتية إن تحققت بدون وصف الحقية فهي ليست بشيء من الموافقة فالنظر والاعتبار للموافقة الوصفية وإن كانت الذات مختلفة وفي كلامه صنعة الطباق وهو حسن بالاتفاق حيث جمع المطابقة والمخالفة ويقرب من هذا ما نقل عن الراغب حيث قال إن الموافقة حقيقة من حيث ( إن كل واحدة منها حق بالإضافة إلى زمانها ) مقتضى الحكمة والمخالفة صورية والمآل متحد لكن المصنف جعل المخالفة ذاتية والقائل صورية وكأنه أراد بالمخالفة باختلاف الدهور والاعصار فكم من حكم إلهي مناسب حال أمة في زمان لا يناسب ذلك الحكم حال أمة نشأت في زمان آخر فاقتضت الحكمة الهية أن ينزل في كل عصر وزمان تغير فيه حال أمة بتغير استعداداتهم عن قبول حكم قد كان شرع في كتابهم السابق حكم يلائم حاله أمة ذلك الزمان ولما اختلف حال الأمم باختلاف الزمان وقع الاختلاف في الأحكام على مقتضى الحكمة وتلك الأحكام وإن كانت متخالفة في الخصوصيات لكنها متوافقة في كونها على الحق النسبة إلى زمانها .